في مشهد سريالي لا يخلو من الصخب، ظهرت مجموعة من “المؤثرات” على متن يخت فاخر، يرقصن ويضحكن ويوزّعن القبل والورود احتفالًا بطلاق إحداهن، وليس الأول بل الثاني، وسط فرحة صديقات يبدين كأنهن حضرن حفلة نصر مبين. لم يكن في الأجواء ما يوحي بأن الأمر يتعلق بانفصال إنساني، بل مجرّد عرض استعراضي مصمم بعناية: موسيقى صاخبة، فساتين لامعة، وكاميرات توثق لحظة “التحرر”، وكلمات جوفاء تمجّد فشل العلاقة وكأنه وسام شرف يُعلّق بفخر على الصدر.
ما الرسالة التي نوجّهها بهذا المشهد؟ هل تحوّل الطلاق من حلّ اضطراري إلى مناسبة اجتماعية تحتفل بها “النجمات الافتراضيات” كما يُحتفل بالزفاف؟ هل صرنا نُقنع الأجيال أن الفشل في العلاقات إنجازٌ يُسوّق في قصص “الستوري” و”الريلز”؟ وهل يا ترى، لو كان الزوج هو من أقام حفلة مماثلة، كنا سنراه بنفس العين، أم أن بعض مظاهر “القوة” تُمنح للنساء على المنصات وتُمنع عن الرجال تحت ذرائع الرجولة؟
ثم، إن كانت المرأة تحتفل بطلاقها بدعوى التحرر، فهل تحرر الرجل بدوره؟ وإن كنا نسوّق الزواج على أنه سجن، والطلاق على أنه حرية، فمن اختار هذا السجن طواعية؟ وإذا كان كذلك، فهل نحتفل باختياراتنا الخاطئة ونحوّلها إلى لحظات مجد جماهري؟ هل أصبح الخطأ في التقدير حدثًا يستحق حفلة وأضواء وأغانٍ ومؤثرين؟ أم أننا ببساطة نحاول الهروب من ثقل الواقع بجرعة عالية من الإنكار والتجميل والتزييف؟
الطلاق ليس عيبًا ولا نقيصة، بل قد يكون حلاً مؤلمًا يقي من الألم الأكبر. لكنه ليس مناسبة للضحك والزغاريد والرقص، ولا لحظة يجب أن نخضعها لقوانين “المحتوى” و”الترند”. تسويقه كإنجاز اجتماعي، لا يعبّر عن تحرر، بل عن تفاهة أخلاقية تتغذى على التفاعل والمشاهدات.
المشكلة لا تكمن فيمن تحتفل، بل فيمن يُصفّق ويُتابع ويُقلد. فتاة مراهقة قد ترى في المشهد “إلهامًا”، لا “إخفاقًا”. تتوهم أن “القوة” تعني الرقص بعد الانفصال، لا مراجعة الذات أو محاولة البناء من جديد. وهكذا، نرى جيلًا مهددًا في إدراكه للمعاني. جيل يرى في الاستعراض انتصارًا، وفي السخرية من القيم شكلًا من أشكال “التحرر”، ويغفل أن الحياة الواقعية ليست كما تُعرض على الشاشات.
لفهم الطلاق، لا بد أن نعود إلى البدايات.
لقاء يجمع بين طرفين، مودة، حب، تفاهم، أحلام مشتركة. زواج يُبنى على نية صادقة في تأسيس بيت وأسرة. لكن أحيانًا، تسوء الأمور. تختلف الطباع، تتراكم الخيبات، تتسرب الخيانة أو الإهمال أو العنف، فيصبح الفراق ضرورة مؤلمة لا مهرب منها.
في لحظة الطلاق، لا أحد يربح. لا الزوج ولا الزوجة. وحده القرار الصائب ينتصر. لكن لا أحد يحتفل بالفقد. لا أحد يرقص فوق رماد الحلم.
الزواج “ميثاق غليظ”، لا حفلة زينة، والانفصال لا يستحق زفة، بل وقفة تأمل. هل نتصوّر أن شخصًا فقد شخصا كان يوما عزيزًا عليه يُقيم له حفلة؟ الطلاق، رغم ضرورته أحيانًا، يبقى انكسارًا في مسارٍ كان منشودًا. تسويقه على أنه “تحرر وانتصار” هو تزييف للواقع ومخاطرة بتوجيه الأجيال نحو مفاهيم خاطئة في العلاقات الإنسانية.
بلادنا ومجتمعاتنا بحاجة إلى قدوات حقيقية، تبني لا تهدم، تلهم بالصمت لا بالصراخ، تزرع الوعي لا الفتنة. نحتاج لأصوات تذكّر الجيل بأن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الانفصال لا يُحتفل به، وأن الكاميرا ليست شاهدًا على كل ما هو خاص وحميم.
فيا من تُصفقون… أعيدوا النظر.
ويا من تُقلّدون… راجعوا بوصلتكم.
ويا من تُصوّرون وتبرمجون وتنشرون هذه اللحظات… توقفوا.
العلاقات ليست محتوى. والقرارات المصيرية ليست مناسبة لـ”الترند”. و نهاية الحياة الزوجية بكل ثقلها ومقدّساتها، تستحق ما هو أعمق من تصفيقٍ عابر في عرض البحر.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

