في مدينة فاضلة بعيدة عن الضجيج… حيث الشوارع نظيفة، والناس تبتسم في وجه بعضها، وتحكمها قبيلة يدير شؤونها الحكيم الأسطوري جُحا.
كان لجحا ديوان خاص، يُعرف بـ”ديوان جُحا”، يضم مستشارين من كل لون ورأي، يجمعهم ولاء لا يتزحزح لجُحا… أو هكذا يظنّون.
وذات مساء، بينما كان جُحا يتصفّح القنوات العالمية بحثًا عن وصفة لتلميع حكمه، توقّف عند قناة “بي بي سي”. شاهد حلقة حوار سياسي مع مسير مدينة الضباب، رجل يُدعى فااو. كان المحاور شرسًا، يحفر بالكلمات، ويطرح الأسئلة المحرجة كأنها قنابل موقوتة، لكن فااو ظلّ واقفًا، يبتسم، يرد بثقة، ويتجاوز المطب تلو الآخر وكأنه راقص سيرك محترف.
انبهر جُحا، وصاح وهو يقف أمام الشاشة:
“هذا ما أريد! أريد أن أظهر مثل فاوو… نجمًا في الإعلام، لا يُهزم أمام السؤال، ولا يرتبك أمام الكاميرا!”
في صباح اليوم التالي، جمع مستشاريه في قاعة المجلس، وضرب بعصاه على الأرض قائلاً:
“أريد أن أصبح مثل فاوو! أريد حوارًا ناريًا، يُبهر الناس، ويُظهرني زعيمًا لا يُقهر!”
نظر بعض المستشارين إلى بعضهم بخوف، فالمهمة ليست سهلة. تجرأ أحدهم وقال:
” لتحقيق ذلك نحتاج إلى قناة قوية، محترفة في صناعة الجدل!”
ردّ جحا بتصميم:
“ابحثوا لي عنها، اتصلوا بها فورًا!”
همس آخر بخوف:
“لكن القنوات القوية لا ترحم… تطرح أسئلة حقيقية، وتُحرج المسؤولين بلا رحمة. بماذا سنُجيب؟”
ارتبك جحا قليلًا، ثم نظر إليهم جميعًا وقال:
“وإذا سألوني عن ملفاتنا المُعلقة؟ عن تعثّر المشاريع؟ عن فشل البرامج؟ عن غضب الناس؟”
ساد الصمت… العيون مطأطئة… الأفكار تائهة…
وفجأة، خرج من آخر القاعة رجل نحيل، يرتدي عمامة حمراء، يُدعى ابن رُقيعة، وكان معروفًا بدهائه الخفي، وقال بصوت خافت لكنه واضح:
“يا جُحا… لِمَ تتعب نفسك؟ دعك من الـ BBC وغيرها… وأجري حوارًا مع أحد مستشاريك!”
رفع جحا حاجبه وقال:
“مع مستشاري؟”
ضحك ابن رقيعة وقال:
“نعم، هو من يكتب الأسئلة، وهو من يكتب الأجوبة… وسيظهر كل شيء على أنه حوار حقيقي! نطرح سؤالاً جريئًا، ثم نرد عليه بردّ جاهز، مقنع، بلا ارتباك. وسنضيف موسيقى مشوّقة، وتقطيعًا بصريًا يجعلك تبدو مثل فاوو… وربما أفضل!”
صفّق الديوان! وقال أحدهم: “فكرة عبقرية يا ابن رُقيعة! نُحاور جُحا، ونُصفق لجُحا، ونبثّه للناس!”
ضحك جُحا حتى استلقى على قفاه، وقال:
“من الآن فصاعدًا، لا أريد حوارات خارج الديوان… بل من داخل الديوان، إلى قلب الكاميرا!”
وهكذا، وُلد أول برنامج حواري في المدينة الفاضلة اسمه:
“جُحا يُسائل نفسه… والإجابات من ذهب!”
ومنذ ذلك اليوم، لم يُحرج جُحا في أي حوار، ولم يُقاطَـع، ولم يُسأل عن ما لا يُحب. أصبح نجمًا على مقاسه… وبات المستشار محاورا لجحا، والجواب جاهزًا، والحقيقة خارج التغطية.
ملحوظة: ديوان جُحا مدينة من نسج الخيال، لكن صداها قد يُسمع في بعض نشراتنا، ويظهر في بعض “البرامج الحوارية” حيث يُصنع السؤال، وتُفصّل الإجابة على المقاس، وتغيب الحقيقة خلف الكاميرا. أي تشابه بين جُحا و”غيره” فهو… من محض الصدفة!
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

