بقلم ولد العزري : طنجة بوسط
طنجة العالية… لا حق لها أن تفتخر، لا بتاريخها العريق، ولا بسورها المعكاز، ولا بالقصبة التي تطل من عليائها على البحر، ولا بمارينا التي تلمع في الصور أكثر مما تُضيء في الواقع.
ليس من حقها أن تفتخر بأنها عبق التاريخ وملتقى الحضارات، أو أنها مدينة الشعراء والحالمين، ولا حتى بأنها كانت يوما ما عاصمة الجمال والتنوع الثقافي.
ليس لطنجة الحق أن تفتخر اليوم إلا برجلٍ واحد… رجل فريد في زمن التكرار، لا يشبهه أحد، ولا ينافسه أحد.
ألا تعرفونه؟ أحقا لم تسمعوا باسمه؟
رغم أنه محاط بمسؤول تواصل لامع، شهير، خبير في ترتيب الصور قبل العقول؟
توقفوا لحظة، افتخروا به كما يجب، صفّقوا له في صمت، ثم سأخبركم من يكون هذا الرجل “القدوة”.
لا تظنوه فنانا يرسم الحياة على جدران المدينة، ولا أستاذا يشرح تعقيدات السياسة على السبورة، ولا روائيا يغزل الحكايات بين زقاق القصبة والميناء.
وليس هو رساما ولا شاعرا، ولا حتى عاشقا تائها يتسكع بين حانات طنجة القديمة بحثا عن قافية ضائعة.
ليس واليا ولا عاملا، لا صلة له بوزارة الداخلية، ولا تربطه بالمخابرات تلك الخيوط التي تعرف ما يجري في طنجة وما يُحاك خلف أسوارها.
وليس هو جنرالا في الدرك، ولا ضابطًا في الجيش، ولا مخزنيا في المعبر، ولا حتى بوليسيا في دورية ليلية.
وليس هو مندوبا جهويا ولا مديرا في أي قطاع وزاري، لا يُدير مشروعًا، ولا يُحرّك ميزانية، ولا يحضر في التقارير الرسمية إلا بصفته البصرية.
إنه باختصار، محترف في تلميع الصورة، خبير في زاوية الإضاءة والابتسامة المعلبة، يُتقن فن الحضور في الكاميرا أكثر مما يُتقن الغياب في الواقع.
يُجري “حوارات” مُعدّة بإتقان، أسئلتها تأتي من أصدقاء، وأجوبتها مكتوبة على الورق، والمفاجآت فيها ممنوعة من العرض.
يحاوره أقرب المقربين، يهمسون له بما سيُقال، ويُجيبهم بما حُفّظ له بعناية.
يقولون له مسبقًا: سنسألك عن كذا وكذا، فلا تقلق، الجواب بين يديك، مكتوب ومحفوظ.
وفي بعض الأسئلة الصعبة، يُنبهونه: “اختصر، لا تُكثر الكلام، دَع الأمور تمرّ بسلام”.
وفي الأسئلة السهلة، يطمئنونه: “افتح صدرك، وقل ما تشاء، فكل ما ستقوله صائب، وكل رأي لك مُلهم ورشيد”.
أما إذا جاء سؤال تقني فيه أرقام وحسابات؟
يتوقف التصوير، يُعلن الفاصل، تُفتح الكراسة، تُراجَع الدروس، ثم يُستأنف العرض من جديد… وكأن شيئا لم يكن.
لن أطيل عليكم…
أكيد أنكم عرفتموه، ولا حاجة لمزيد من التلميح.
وهو بدوره… عرف راسو.
عمدة طنجة، “الجميل والرائع” في الصور، لا في الخطاب.
رجل المرحلة… إذا كانت المرحلة بلا صوت.
عاشق الكاميرات، مُدمن الإضاءة، لكنه يعاني من فقرٍ حاد في الخطابة.
أول سياسي في المغرب لا يجيد الفصاحة… ولا حتى الشعبوية.
لا يملك البلاغة، ولا يغامر بالارتجال، ولا يقترب من الجدال.
رجل لا يفقه في الخطاب، ولا يجيد الجدال، ولا يجرؤ حتى على المواجهة.
على الأقل، كان من المفترض أن يقدم لنا شويا ديال الفراجة، ولو لمرة واحدة.
لكن لا، إنه سياسي ممل بكل ما للكلمة من معنى.
فماذا ستربح طنجة من عمدة ممل؟
وماذا يمكن أن تصنع مدينة ميتروبولية عظيمة بعمدة كهذا؟
قولوا لي رحمكم الله،
مدينة مملة إلى درجة أن أزقتها تئن من ضجرها، ومجلسها الجماعي غارق في سبات لا نهاية له،
رئيس جماعة لا يحرك ساكنا، لا يبعث روحا، ولا يلهم خطوة.
فمن أين تستمد طنجة هذا الملل المزمن، كأنه وباء عضال،
ينتشر في كل ركن، يملأ القصور، يعمّق الصمت بين الناس،
حتى باتت المدينة بأكملها تشكو من غياب الحياة؟
لكن، رغم هذا الواقع الممل، تبقى طنجة مدينة الفرص والتحديات،
تستحق من يقودها برؤية وحيوية،
عمدة يحمل صوتها، يفهم نبضها، ويعيد إليها روحها التي ضاعت بين صمت الصور والكاميرات.
فلننتظر ذلك اليوم الذي تنفض فيه المدينة غبار الملل،
ويولد من جديد عمدة ليس فقط صورة… بل قائدا يستحقها حقا.
هذا المقال كتبته بأسلوب ساخر ومتهكم،
ليس الهدف منه سوى تسليط الضوء على واقع مؤلم يحتاج إلى تصحيح،
وبأن النقد أحيانا يكون مرآة نرى فيها الحقيقة بوضوح،
حتى نستطيع أن نغيّر ونبني طنجة التي تستحق أن تُرفع لها القبعات، لا أن تُطوى صفحاتها من الملل.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

