يعيش المشهد السياسي المغربي لحظة استثنائية تطرح أسئلة عميقة تتجاوز شخص المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف الحموشي، لتمسّ جوهر العلاقة بين مؤسسات الدولة وآليات التضامن الرسمي في وجه الهجمات الممنهجة، فالحملة الشرسة التي يتعرض لها أحد أبرز رموز الأمن الوطني تثير، بحق، استغرابا واستفهاما كبيرا لدى المواطنين، أين هو صوت التضامن المؤسساتي الرسمي؟ يقع أول وأثقل تساؤل على عاتق رئيس الحكومة المغربية، السيد عزيز أخنوش، افتتاح المجلس الحكومي (كل خميس) كان منصة محورية، بل فرصة استراتيجية، لإرسال رسالة واضحة وقوية، رسالة تؤكد وقوف الحكومة بكامل هيئاتها خلف رجل يقف، مع رجاله، على خط النار في الدفاع عن أمن واستقرار الوطن، لماذا غاب هذا التضامن العلني والصريح عن خطاب السيد رئيس الحكومة؟ ألا يُعدّ دعم رأس الهرم الأمني في لحظات الاستهداف هذه جزءا لا يتجزأ من مسؤولية قيادة الحكومة وحماية مؤسساتها؟ هذا الصمت، في موقع القيادة، لا يخلو من دلالة تثير التساؤل عن طبيعة التنسيق والتضامن في أروقة السلطة التنفيذية… كما تتسع دائرة التساؤل لتمسّ السلطة التشريعية، رئيسا مجلسي النواب والمستشارين، بصفتهما ممثلين للإرادة الشعبية وحاملي لواء الدفاع عن مؤسسات الدولة، كان من المتوقع بل من المنطقي أن يُسمعا صوت تضامن واضح داخل جدران البرلمان، جلسات النقاش كانت منابر مثالية لإدانة حملات التشويه والتأكيد على ثقة المؤسسة التشريعية في ركن أساسي من أركان أمن البلاد، لماذا خلت السجلات الرسمية من مثل هذه التصريحات أو البيانات التضامنية؟ هل يعكس هذا غيابا للإرادة السياسية، أم توجسا من الخوض في ملف شائك، أم قراءة مختلفة لطبيعة الدور النيابي؟ التساؤل يظل قائما أمام صمت القضاء الأمامي في مواجهة “التشهير”، فالأكثر إثارة للتأمل، ربما، هو صمت وزير العدل، السيد عبد اللطيف وهبي، الوزارة التي تحمل اسم “العدل” وتُفترض أنها حصانة ضد التشهير وانتهاك سمعة الأفراد والمؤسسات، تبدو غائبة عن المشهد تماما، كيف يُفسر صمت الوزير الأول المسؤول عن حماية الحقوق وصون سمعة الأفراد والمؤسسات القانونية، في حين يتعرض مدير عام مؤسستين شقيقتين (الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني) لحملة يمكن وصفها بـ”الممنهجة” و”المقصودة”؟ ألا يتناقض هذا الصمت مع المبادئ الأساسية التي تقوم عليها وزارة العدل بعيدا عن القضايا التي يتابع فيها خونة الداخل من المتواطئين؟ هذا التساؤل يضع السيد الوزير في موقف بالغ الحرج، يقتضي تفسيرا واضحا…
التساؤل لا يتوقف عند الحكومة والبرلمان. بل يمتد ويشمل مؤسسات وهيئات صديقة تشكل بعضها نسيجا واحدا في الدفاع عن الوطن، ألا يفترض أن تظهر تضامنا مؤسسيا علنيا مع قائد إحدى أهم روافدها؟ هل يعكس غياب هذا الصوت تقاليد صارمة في الحياد وعدم الخوض في الإعلام، أم يشير إلى تعقيدات في المشهد تتطلب قراءة أعمق؟ غياب هذا التضامن المؤسساتي يغذي شعورا بالغبن لدى المواطنين الذين يرون في السيد عبد اللطيف الحموشي ورجاله خط الدفاع الأول عنهم… صحيح أن ثقة جلالة الملك محمد السادس نصره الله في السيد عبد اللطيف الحموشي هي رأس مال معنوي لا يقدر بثمن، وهي الضمان الأعلى لاستمراره في مهمته الجليلة، هذا أمر مفروغ منه ومصدر فخر واطمئنان، لكن التساؤل هنا ليس عن حاجة السيد الحموشي الشخصية للتضامن، بل عن الرسالة السياسية والوطنية التي يبعثها غياب هذا التضامن الرسمي الواسع.
فالصمت، في السياسة كما في الأمن، نادرا ما يكون محايدا، له دلالاته وتبعاته، الغياب الملحوظ للتضامن الرسمي العلني من رئيس الحكومة ووزير العدل ورئاسة البرلمان مع المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني في خضم هذه العاصفة، يضعهم في موقف لا يحسدون عليه، إنه يطرح عليهم، أمام الرأي العام الوطني، تساؤلات شرعية وملحة عن أسباب هذا الصمت، وعن التزامهم بتقديم الدعم العلني الواضح لمؤسسات الدولة ورموزها عندما تتعرض للاستهداف، خاصة مؤسستين حيويتين مثل الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، فالمواطن المغربي، وهو يشاهد رموز أمنه تستهدف، يتطلع بحق إلى رؤية تضامن مؤسساتي حقيقي يترجم الثقة الملكية إلى مواقف علنية واضحة، هذا ليس مجرد دعم لشخص، بل هو دفاع عن شرعية المؤسسة، وعن رسالة وحدة الصف الوطني، وعن رسالة ردع لكل من تسوّل له نفسه النيل من رموز الوطن وأمنه، السكوت في هذه اللحظة ليس مجرد غياب للكلام، إنه بحد ذاته خطاب يحتاج إلى تفسير… #يتبع
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

