في قراءة متأنية لبلاغ الديوان الملكي الصادر عقب كأس إفريقيا للأمم، يبرز بوضوح النفس الاستراتيجي الهادئ الذي يميز الخطب الملكية السامية، حيث جمع خطاب ملكنا العزيز هذه المرة بين التثمين الواعي للنجاح الرياضي والتنظيمي غير المسبوق، وبين ترسيخ المعنى العميق لهذا الحدث باعتباره إنجازا وطنيا وقاريا في آن واحد، فالبلاغ لا يتوقف عند حدود التهنئة، بل يؤسس لسردية مغربية جديدة تؤكد أن الرياضة أضحت رافعة من روافع التنمية الشاملة، وصورة مكثفة لنموذج مغربي يشتغل بالنجاعة، ويضع الإنسان في صلب رهاناته.
ويحمل البلاغ إشارات سامية ودقيقة إلى مغاربة العالم، من خلال التنويه الصريح بدور الكفاءات الوطنية المقيمة بالخارج، سواء في حمل القميص الوطني أو في الإسهام في إشعاع صورة المغرب الحديثة، هي بالنسبة لنا بحركة مغرب الغد، رسالة قوية إلى هيئات وتنظيمات مغاربة العالم بضرورة استخلاص الدرس العميق، الانخراط الواعي في القضايا الكبرى للوطن، والدفاع عن وحدته ورؤيته، وهو ما لا يكون بردود الفعل العاطفية الظرفية، بل بالفعل العقلاني المسؤول الذي يسمو فوق الاستفزازات، ويستند إلى الثقة في المشروع الملكي الإفريقي المتكامل.
كما يتسم البلاغ بسمو أخلاقي لافت، حين يعالج الأحداث المؤسفة التي رافقت نهاية المباراة النهائية، لا بمنطق الإدانة أو التصعيد، بل بدعوة صريحة إلى تغليب الحكمة وروابط الأخوة الإفريقية، بعد انقضاء لحظة الانفعال، وهنا تتجلى الرسالة الأعمق، وحدة إفريقيا فوق كل اعتبار، وأي نجاح مغربي هو بالضرورة إضافة نوعية للقارة ككل، إنها دعوة ناضجة لهيئات المجتمع المدني الإفريقي، وللنخب السياسية والرياضية، للتمييز بين التنافس المشروع وبين محاولات زرع الفتنة والتشويش.
إن هذا البلاغ الملكي الحكيم، يشكل، في تقديرنا كحركة مغرب الغد، وثيقة مرجعية لمرحلة قادمة، عنوانها ترسيخ موقع المملكة المغربية كقوة إفريقية وازنة، وفاعلة بهدوء، وواثقة في عمقها التاريخي وخياراتها المستقبلية، ومن باريس، نهيب بهيئات مغاربة العالم أن تجعل من هذا الخطاب بوصلة للعمل، وأن تضع مصلحة إفريقيا ووحدتها فوق كل الاعتبارات الضيقة، مساهمة بذلك في صون المكتسبات وتعزيز إشعاع المملكة الشريفة داخل فضائها الطبيعي الإفريقي.
الدكتور مصطفى عزيز
رئيس حركة مغرب الغد
باريس – الجمهورية الفرنسية
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

