بقلم الدكتور والمؤرخ محمد مريزيقى
انتهت دورة كأس أمم إفريقيا “الكان 2025” التي استضافتها المملكة المغربية، لتسجل في سجل الذاكرة الإفريقية حدثا استثنائيا بكل المقاييس التنظيمية والفنية والإنسانية، قبل أن تلقي الأحداث المؤسفة في ختام المباراة النهائية بظلالها على هذا الإنجاز الكبير وهو ما يستدعي وقفة تأمل ونداء صريحا من القلب.
لقد كانت هذه الدورة محطة تاريخية أظهرت للعالم أجمع الوجه الحضاري المتقدم لإفريقيا، فقد شهد العالم، عبر شاشاته، مستوى كرويا رفيعا يضاهي أفضل المسابقات العالمية، حيث أثبت أبناء قارتنا أنهم ركائز أساسية في أكبر الأندية الدولية، مصدرين فخرا واعتزازا لأكثر من مليار متفرج تابعوا هذا العرس الكروي وتعرفوا على ثراء وتنوع دولنا، هذا الإشعاع العالمي لم يأت من فراغ، لقد كان ثمرة جهد جبار وتضحيات كبيرة من البلد المضيف، المملكة المغربية، الذي وضع كل إمكاناته المادية والبشرية والتنظيمية لتكون هذه الدورة في مستوى طموحات شعوب إفريقيا، لقد أبانت المملكة المغربية عن كفاءة لافتة في مجالات التنظيم اللوجستي وتوفير الأمن والراحة للوفود والشعب، مكرسا الدور كفرصة ذهبية لتعزيز أواصر الأخوة والتضامن بين جميع الدول الإفريقية الشقيقة، وقد كانت الفرحة بادية على وجوه الشعوب الإفريقية لمتابعة هذا الحدث فوق أرض مغربية إفريقية مضيافة، تفتخر بانتمائها للقارة وتاريخها المشترك، غير أن هذه الصورة المشرقة اصطدمت، ويا للأسف، بما حدث في الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية حيث تحولت مشاعر التنافس الرياضي الشريف، الذي طبع الدورة من بدايتها، إلى حالة من الغضب العارم تبعتها أعمال شغب وعنف مؤسفة، شوهت جمال اللحظة الرياضية وأحزنت ملايين القلوب في القارتين الإفريقية والعربية، ومن هنا، يجب أن نكون صريحين، لقد وجدت بعض الأطراف، التي لا تخفي عداءها التاريخي للمملكة المغربية وتربصها الدائم بكل منجزاته، في هذا الحادث المؤسف فرصة ذهبية للانقضاض، فبدلا من توجيه النقد البناء أو الاكتفاء بإدانة أعمال الشغب، سارع هؤلاء إلى توظيف الحدث سياسيا، محاولين تشويه الصورة المشرقة للدورة برمتها، والنيل من مصداقية البلد المضيف وجهوده الجبارة، لقد حاولوا، عبر آليات الدعاية المغرضة ونشر الأخبار الزائفة، تحويل حدث رياضي نبيل إلى فتنة، وزرع بذور التفرقة بين شعبين شقيقين، المغرب والسنغال، تربطهما علاقات تاريخية وثيقة وأخوة متجذرة… إن مسؤولية مواجهة هذا المخطط التخريبي تقع على عاتقنا جميعا، أبناء القارة العاقلة والنخبة المثقفة، يجب ألا ننساق وراء تلك الأصوات الحاقدة التي تريد إشعال نار الفتنة بين شعوب إفريقيا، إن كرة القدم، في نهاية المطاف، هي لعبة وجزء من الرياضة، فكيف تتحول، مهما بلغت أهميتها، إلى سبب للقطيعة والبغضاء بين شعوب هي في أمس الحاجة إلى توحيد الصف وتركيز الجهود من أجل التنمية والبناء لقد قال النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، ونقول اليوم، إن من لا يقدر تقاليدنا العريقة، ولا يحترم حسن الجوار، ويتنكر لقيم الضيافة والإخاء، ويسعى لزرع الفتنة بين الإخوة، فهو ليس منا ومن قيمنا الإفريقية الأصيلة، لذا، أوجه هذا النداء الصادق إلى كل أصحاب الضمائر الحية والعقول النيرة والقلوب الصافية في السنغال الشقيقة والمغرب وفي كل بقاع القارة والمهجر، لنتعقل وندعو إلى تهدئة النفوس، ونعمل على استعادة الثقة وإشاعة السكينة، لنجعل من هذه المحنة مناسبة لتجديد العهد على المحبة والتعاون، إن يد المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، ستظل ممدودة للخير والبناء، وسيبقى المغاربة شعبا مسالما ومضيافا، لا تغيره مؤامرات الماكرين.
لنتذكر أن ما يجمعنا كأفارقة/كإفرقيين، من تاريخ مشترك وتحديات واحدة وطموحات متقاربة، أكبر بكثير من أي لحظة غضب عابرة، فلنوجه طاقاتنا نحو ما هو أسمى وأهم، خدمة مصالح شعوبنا وتحقيق التقدم والازدهار المنشودين لقارتنا الحبيبة، أخيرا فإن حدث الكان 2025 كان انتصارا لإفريقيا ولا يجب أن تهدر إنجازاته بسبب لحظة سوء تفاهم مؤسفة. الطريق أمامنا طويل، والأهم أن نسير معا…
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

