تشهد أسعار المحروقات في المغرب موجة جديدة من الارتفاعات، في سياق دولي متوتر يرتبط أساسًا بالأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط واحتمال تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. فحوالي 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر هذا المضيق، وأي اضطراب فيه يؤدي مباشرة إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية.
وقد أدت التوترات العسكرية الأخيرة إلى اضطرابات في حركة ناقلات النفط وارتفاع أسعار الخام عالميًا، حيث تجاوز سعر البرميل حاجز 100 دولار في بعض الفترات، مع تحذيرات من إمكانية استمرار الارتفاع إذا طال أمد الأزمة.
لكن السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم لا يتعلق فقط بالأسباب الدولية، بل أيضًا بطريقة تدبير هذا الملف داخليًا. فارتفاع الأسعار في المغرب غالبًا ما يكون سريعًا ومباشرًا، بينما لا ينعكس انخفاض الأسعار العالمية بنفس السرعة على القدرة الشرائية للمواطنين. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن كل زيادة بـ10 دولارات في سعر النفط يمكن أن ترفع ثمن اللتر في المغرب بما بين 0.8 و1.2 درهم تقريبًا.
في هذا السياق يعود النقاش مجددًا حول سياسة تحرير أسعار المحروقات التي تم اعتمادها منذ سنوات، والتي جعلت تحديد الأسعار بيد شركات التوزيع بدل آلية التسقيف أو الدعم المباشر. ويرى العديد من المتتبعين أن هذا الوضع فتح المجال لهيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى على السوق، ما يطرح تساؤلات حول المنافسة الحقيقية وهوامش الربح المعتمدة.
كما يُعاد طرح ملف إغلاق مصفاة “لاسامير” بالمحمدية، التي كانت تشكل آخر مصفاة لتكرير البترول في المغرب. فبعد توقفها أصبح المغرب يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المواد البترولية المكررة بدل النفط الخام، وهو ما يرفع كلفة الاستيراد ويجعل البلاد أكثر هشاشة أمام تقلبات السوق الدولية.
إن تزايد أسعار المحروقات لا ينعكس فقط على ميزانية الأسر، بل يمتد أثره إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، من النقل إلى الفلاحة والإنتاج الصناعي، مما يهدد بموجة جديدة من التضخم تضرب القدرة الشرائية للمغاربة.
وفي ظل هذه التطورات، يتجدد النقاش حول ضرورة مراجعة السياسات الطاقية بالمغرب، سواء من خلال إعادة النظر في آليات ضبط الأسعار، أو تسريع الاستثمار في الطاقات البديلة، أو إيجاد حلول استراتيجية لتقليص التبعية للأسواق الدولية.
فما بين تقلبات الجغرافيا السياسية العالمية والاختيارات الاقتصادية الداخلية، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة أسعار الطاقة، وهو ما يفرض اليوم نقاشًا وطنيًا جديًا حول مستقبل الأمن الطاقي والعدالة الاجتماعية في البلاد.
هيثم دكداك | أستاذ وعضو الكتابة الإقليمية لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية بطنجة أصيلة
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

