حذر المرصد الوطني للتنمية البشرية من تداعيات التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب، مؤكدا أن تراجع الخصوبة وتصاعد ظاهرة العزوبية، إلى جانب ضعف الاستثمار في التعليم والصحة وسوق الشغل، قد يؤثر على مسار التنمية البشرية ويحد من الاستفادة من العائد الديمغرافي، وذلك وفق ما ورد في مذكرة سياسات حديثة استندت إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
وأفادت المذكرة المعنونة “التحولات الديمغرافية إعداد مغرب الغد” بأن نتائج الإحصاء تعكس تحولا في بنية السكان ودينامياتهم السوسيو اقتصادية، حيث سجل منحى تنازلي في النمو السكاني مقابل ارتفاع أمد الحياة، ما أدى إلى زيادة نسبة الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة، في حين تراجعت معدلات الخصوبة إلى مستويات دون عتبة الاستبدال، وهو ما انعكس على حجم الأسر واتجاهها نحو النموذج النووي، بالتوازي مع تسارع وتيرة التمدن واستمرار تدفق السكان نحو المدن.
وعلى المستوى الجهوي، رصدت المذكرة حركية سكانية متزايدة بين الجهات، خاصة على المحور الأطلسي الممتد من طنجة إلى أكادير، مقابل تراجع نسبي في التركيز السكاني على الساحل المتوسطي، كما سجلت تفاوتا في النمو الديمغرافي بين الجهات، حيث تعرف ضواحي المدن الكبرى معدلات نمو أعلى مقارنة بالعالم القروي الذي يتأثر بعوامل من بينها التغير المناخي والهجرة القروية.
وأشارت الوثيقة إلى أن هذه التحولات ترتبط أيضا بتأثيرات التغير المناخي، مثل فترات الجفاف والتساقطات المفاجئة، إلى جانب التحولات الرقمية، معتبرة أن هذه العوامل تشكل إطارا يجب أخذه بعين الاعتبار في تحليل الانتقال الديمغرافي، كما أبرزت بروز أربع اتجاهات أساسية تشمل إعادة تشكيل الهرم السكاني، وتغير بنية الأسرة، وتسارع التمدن، وتصاعد العزوبية.
وفي ما يتعلق بالهرم السكاني، أوضحت المذكرة تراجع نسبة الشباب مقابل ارتفاع نسبة المسنين، ما قد يؤدي إلى انخفاض الساكنة في سن النشاط، مشيرة إلى أن القوانين الحالية لسوق الشغل تحد من مشاركة المسنين، وهو ما يطرح الحاجة إلى إدخال مرونة تنظيمية للاستفادة من خبراتهم، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على صحة كبار السن وتطوير الخدمات المرتبطة بهم.
كما سجلت اختلالات تمس فئة الشباب، خاصة في مجالات التعليم والتكوين والإدماج في سوق الشغل، إلى جانب تأثير التحولات الرقمية، في حين أبرزت تراجع حجم الأسرة وانتشار نموذج الأسرة الصغيرة، وما يرتبط بذلك من تغيرات اجتماعية وثقافية.
وفي ما يخص التمدن، دعت المذكرة إلى تعزيز جودة السكن وتحسين الفضاءات الحضرية ومواجهة التحديات المرتبطة بالنفايات والضغط الديمغرافي، كما تناولت ظاهرة العزوبية التي قد ترتبط بالعزلة، خاصة لدى بعض الفئات، وما قد يترتب عنها من آثار اجتماعية وصحية.
وأكدت المذكرة أن الاستثمار في الرأسمال البشري يمثل مدخلا أساسيا لمواكبة هذه التحولات، من خلال إصلاح التعليم والتكوين، وتوسيع فرص الشغل، وتطوير المنظومة الصحية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، مبرزة أن الاستفادة من التحول الديمغرافي تظل رهينة باعتماد سياسات عمومية ملائمة تواكب هذه التغيرات.
وختمت الوثيقة بالإشارة إلى أن المغرب يتوفر على إمكانات للاستفادة من هذه التحولات، شريطة تعزيز حكامة الرأسمال البشري وتحويل التحديات الديمغرافية إلى فرص داعمة للتنمية.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

