لم تعد أزمة بعض المجالس المنتخبة في المغرب مرتبطة فقط بضعف الحصيلة أو محدودية الكفاءة، بل أصبحت أزمة “هركاوة” حقيقية. نعم، هركاوة في الخطاب، وهركاوة في السلوك، وهركاوة حتى في طريقة الجلوس والنظر إلى الكاميرا، هناك شيء ما انكسر داخل جزء من المشهد السياسي المحلي، شيء يتعلق بالهيبة، بالوقار، وبالحد الأدنى من الإحساس بأن المؤسسة ليست امتداداً للشارع، بل فضاء يفترض أن يرتفع قليلاً عن صخبه وعشوائيته.
في كثير من الدورات، خصوصاً داخل بعض المجالس الجماعية والمقاطعات، لا يشعر المواطن أنه أمام منتخبين يدبرون مدينة بحجم طنجة، بل أمام “هركاوة جماعية” مفتوحة على كل الاحتمالات، الأصوات المرتفعة تحضر أكثر من الأفكار، والانفعال يسبق المعطيات، واللغة تتحول إلى خليط غريب بين خطبة انتخابية متأخرة ومشادّة يومية داخل موقف سيارات.
هركاوة في طريقة الكلام…
حين يتحول النقاش حول النقل أو الإنارة أو النظافة إلى حلبة للصراخ.
هركاوة في طريقة اللباس…
حين يدخل بعض المنتخبين إلى مؤسسة عمومية وكأنهم ذاهبون إلى جلسة شاي عشوائية أو بث مباشر على “تيك توك”.
وهركاوة في طريقة التدبير…
حين تصبح الكاميرا أهم من الملف، والصوت أهم من الفكرة، و”البوز” أهم من مصلحة الناس.
المشكل ليس في البساطة، ولا في الانتماء الشعبي، فالمغرب بُني برجال بسطاء محترمين، يعرفون كيف يتحدثون دون ضجيج، وكيف يفرضون احترامهم دون استعراض. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين البساطة وبين “الهركاوة”، فرق بين منتخب بسيط ومحترم، ومنتخب يعتقد أن الفوضى أسلوب سياسي، وأن الصراخ مشروع انتخابي، وأن ضرب الطاولة باليد يمكن أن يعوض غياب الثقافة والكفاءة.
حتى طريقة اللباس، التي قد تبدو تفصيلاً ثانوياً، تكشف أحياناً أزمة أعمق. فالسياسة ليست عرض أزياء، صحيح، لكنها أيضاً ليست “هركاوة بصرية”، حين يجلس منتخب داخل مؤسسة عمومية، فهو لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل صورة المدينة وهيبة المكان وثقافة التدبير. لذلك يبدو المشهد عبثياً عندما يتحول بعض المنتخبين إلى شخصيات تبحث عن لفت الانتباه أكثر من البحث عن الحلول.
أحدهم يدخل القاعة بنظارات سوداء وكأنه نجم موسيقى شعبي جاء لإحياء سهرة.
والثاني يتحدث بعصبية دائمة كأنه في شجار يومي مع العالم.
والثالث لا يقرأ الملفات أصلاً، لكنه يحفظ جيداً أين توجد الكاميرا ومتى يبدأ التصوير.
هركاوة كاملة الأوصاف.
الأخطر من كل ذلك هو الخطاب. هناك لغة جديدة تسللت إلى بعض المجالس؛ لغة تقوم على الصراخ بدل الإقناع، وعلى التهجم بدل الحجة، وعلى الاستعراض بدل العمل. بعض المنتخبين يتحدثون وكأنهم في منصة للفرجة لا داخل مؤسسة دستورية. يصرخون كثيراً… يقولون قليلاً… ويعتقدون أن الانفعال يكفي لصناعة الزعامة.
المضحك المبكي أن بعضهم صار يقيس نجاحه بعدد المقاطع المنتشرة على مواقع التواصل، لا بعدد الملفات التي نجح في حلها. المهم أن يظهر غاضباً أمام الكاميرا، أن يلوح بيده كثيراً، وأن يترك انطباعاً بأنه “قاصح”. أما التفاصيل التقنية؟ أما المشاريع؟ أما لغة المؤسسات؟ فتلك أمور يعتبرها البعض ترفاً فكرياً لا يليق بزمن الهركاوة.
المواطن الذي يتابع هذه المشاهد لا يغضب فقط من ضعف التدبير، بل من الإحساس بأن السياسة فقدت جزءاً كبيراً من معناها ورمزيتها. لأن المؤسسات لا تسقط دفعة واحدة، بل تسقط تدريجياً… مع كل هركاوي جديد يدخل القاعة ليحول النقاش إلى فوضى، ومع كل مسؤول يعتقد أن الهيبة مجرد “بروتوكول”، ومع كل دورة مجلس تتحول إلى فرجة مجانية بدل أن تكون لحظة لمحاسبة وتدبير شؤون الناس.
ما تحتاجه بعض المجالس اليوم ليس فقط برامج تنموية أو ميزانيات إضافية، بل شيء أبسط وأعمق: قليل من الرصانة، وقليل من احترام ذكاء المواطنين، وكثير من الوعي بأن المنتخب، قبل أن يتحدث باسم الناس، عليه أولاً أن يتخلص من “الهركاوة” التي جعلت بعض المؤسسات تبدو كأنها تعيش أزمة تربية سياسية قبل أن تعيش أزمة تدبير.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر


