أعاد حادث اختراق مروحية مجهولة الهوية للأجواء المغربية فوق مدينة طنجة إلى الواجهة نقاشا بالغ الحساسية حول نجاعة منظومة المراقبة الجوية والدفاع الجوي للمملكة المغربية، خاصة في منطقة تعد من أكثر النقاط الاستراتيجية والأمنية تعقيدا في غرب البحر الأبيض المتوسط.
طنجة ليست مدينة عادية في الجغرافيا العسكرية، فهي تقع على مرمى حجر من أوروبا، وتشرف على أحد أكثر المضايق البحرية مراقبة في العالم، وتخضع نظريا لرقابة جوية مكثفة، بالنظر إلى ما يتوفر عليه المغرب من ترسانة رادارية وعسكرية متطورة جرى الترويج لها خلال السنوات الأخيرة باعتبارها قادرة على تحصين المجال الجوي الوطني ضد أي اختراق محتمل، وإذ لا يخفى على الجميع أن المملكة المغربية راكمت خلال العقدين الأخيرين استثمارات ضخمة في مجال الدفاع الجوي، شملت رادارات بعيدة ومتوسطة المدى لمراقبة المجال الجوي، منظومات كشف متعددة الطبقات قادرة على رصد الأهداف الجوية ووسائل ردع تشمل الطيران الحربي، وأنظمة الدفاع الجوي الأرضي بالإضافة إلى أجهزة المراقبة الساحلية والدوريات الجوية والبحرية… غير أن واقعة رصد مروحية مجهولة لمدة تنجاوز 48 ساعة، قبل أن تختفي بمجرد انخفاض مستوى تحليقها، تساءل السلطات المختصة حول الجدوى والمغزى من هذه الترسانة إذا كانت عاجزة عن منع اختراق فعلي للأجواء، أو على الأقل تحييده في لحظته؟ يبدو أن استغلال التحليق المنخفض كما حدث مؤخرا بجماعة أحفير التابعة ترابيا لإقليم بركان، حينما تم توظيف جملة من المسيرات الاحترافية (Mavic pro & Phantom 4 pro/RTK) لشحن المخدرات من طرف عصابة اجرامية تنشط على الشريط الحدودي بتنسيق مشترك، كل ما سبق يندرج ضمن قصور مهام الرصد المنخفض الذي لا يزال يشكل نقطة ضعف حرجة في منظومات المراقبة الجوية، وهي تقنية معروفة في عالم التهريب الجوي، خصوصا في تهريب المخدرات كما سبق الذكر، حيث تعتمد المروحيات والمسيرات على الطيران قرب التضاريس لتفادي الرادارات التقليدية، لكن الإشكال هنا لا يتعلق بالرصد فقط، بل بغياب الردع الفوري، فالرصد دون تدخل، أشبه بإنذار لا يسمع صداه، أما إذا كانت الرادارات قد رصدت الطائرة، فلماذا لم تفعل آليات الاعتراض؟ ولماذا ترك المجال مفتوحا لاحتمال تنفيذ عملية تهريب دولي عابرة للحدود؟ الخطير في هذه الواقعة ليس فقط شبهة تهريب المخدرات جوا، بل ما تحمله من دلالات أعمق تتعلق بـالسيادة الجوية، فالأجواء التي تخترق اليوم بمروحية تهريب، قد تخترق غدا بوسائل أكثر خطورة، في سياق إقليمي متوتر أصلا، وبيئة جيوسياسية معقدة، خصوصا مع استمرار الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية، وما يرافقه من حساسيات أمنية مزمنة، على المملكة المغربية بمصالحها المختصة أن تراهن على الانتقال من الرصد التقني إلى التحريات الميدانية، والاستماع إلى السكان، وتعقب شبكات الاتصال، مع ضرورة استخدام التكنولوجيا العسكرية المتطورة بغرض الاستباق وأن لا تقتصر فقط على التوثيق بعد وقوع الاختراق، فالدفاع الجوي الفعال لا يقاس بعدد الرادارات أو كلفة الأسلحة، بل بقدرتها على منع الاختراق، شل التهديد في الزمن الحقيقي وفرض كلفة عالية على أي محاولة للمساس بالمجال الجوي والسيادة الجوية…
إن حادث مروحية طنجة ليس تفصيلا أمنيًا عابرا، بل جرس إنذار يستدعي مراجعة شاملة لفعالية منظومة الرصد والردع، ومدى جاهزيتها لمواجهة تهديدات جوية غير تقليدية، وعلى رأسها التهريب الجوي للمخدرات، ففي منطقة تعد بوابة بين قارتين، وتخضع لأعلى درجات المراقبة الدولية، يصبح السؤال مشروعا، هل تمتلك المملكة المغربية ترسانة قوية فقط، أم منظومة ردع فعالة بالفعل؟
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

