حضرة الإخوة والأخوات الأفاضل من أبناء الجالية الإفريقية، من كل ربوع قارتنا الحبيبة، ومن البلد الشقيق السنغال، يا أهل الخير والعفّة، ويا أصحاب العقول النيّرة.
جاء على لسان النبي المصطفى ﷺ أنه قال: «من غشّنا فليس منّا»، ونقول اليوم، عقب كأس إفريقيا للأمم، إنّ من لا يقدّر تقاليدنا العريقة، ولا يحترم حسن الجوار، ويتنكّر للمعروف وما تقتضيه الضيافة من سلوك قويم، ويزرع سموم الفتنة بيننا، فهو ليس منّا.
لقد شكّلت دورة الكان 2025، التي جمعت أبناء القارة الإفريقية على أرض المملكة المغربية الشريفة، محطةً استثنائية حقّقت ما لم تحققه دورات سابقة على مختلف المستويات. فقد أبرزت المستوى الرياضي والكروي الرفيع الذي بلغه أبناء قارتنا، حيث أصبح كثير منهم ركائز أساسية في أندية دولية كبرى، وهو ما يُعدّ مصدر فخر واعتزاز لإفريقيا بأكملها.
أكثر من مليار متفرّج عبر العالم صفقوا لهؤلاء اللاعبين، وتعرّفوا على أسمائهم، وعلى أعلام بلدانهم وأناشيدها الوطنية.
ولم يكن هذا الإشعاع وليد الصدفة، بل ثمرة عمل دؤوب وسهرٍ متواصل للبلد المضيف، المغرب، الذي أبان عن قدرة عالية في مجالات التنظيم والاستقبال، وتهيئة مختلف الظروف الأمنية والرياضية والاجتماعية التي يتطلبها هذا العرس الكروي الكبير، والذي فاق نجاحه كل التوقعات، وبلغ صداه أبعد الحدود.
ولم يبخل المغرب بما راكمه من خبرة وإمكانات مادية ومعنوية، فجعل من هذه الدورة فرصة ذهبية لتعزيز أواصر الأخوّة والصداقة بين الدول المشاركة. وكم كانت الشعوب الإفريقية سعيدة بمتابعة هذا الحدث فوق أرض مغربية إفريقية مضيافة، تعتز بانتمائها للقارة، وبتاريخها الثقافي والمذهبي والإنساني المشترك مع عدد كبير من بلدانها.
غير أنّه، وكـ غمامة سوداء غير مرغوب فيها، شهدت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية ما لم يكن متوقّعًا؛ فهاجت المشاعر، وتفجّر الغضب، وفسدت الفرحة. فبدل أن يكون ختام الدورة مسكًا وفرحًا، أصبح مصدرًا للحزن، وسببًا في أعمال شغب وعنف مؤسفة.
وكان المشهد مؤلمًا، أساء إلى صورة الحدث، وأحزن القلوب، وأثار الأسى في نفوس المحبين لقارتنا.
والمحزن أكثر أن هذا الوضع شكّل فرصة لبعض الأطراف، ممّن دأبوا على التربّص بالمغرب، للابتهاج ومحاولة استغلال الحدث لتشويه صورة اللقاء برمّته، والنيل من سمعة ومصداقية البلد المنظّم. وهكذا، وبفعل فاعل، جرى توظيف حدث رياضي نبيل لخلق الفتنة، وتشويه الجهد الجبّار الذي بذله المغرب لجعل هذه الدورة لقاءً رياضيًا وأخويًا استثنائيًا.
وأمام هذه الحالة، فإنّ الواجب يفرض علينا جميعًا، إخوتي وأخواتي في السنغال، وفي المغرب، وفي بلدان المهجر، ألّا ننساق وراء مخططات شيطانية هدفها نشر البلبلة والتفرقة داخل قارتنا. كما يتعيّن علينا تجنّب كل ما من شأنه إشعال نار الفتنة بين شعوبنا، عبر أخبار زائفة ودعايات مغرضة، أدّت إلى تصرفات غير مشروعة وغير مقبولة.
إنّ مسؤوليتنا الجماعية تحتم علينا بذل كل ما في وسعنا لإعادة الأمور إلى طبيعتها الحقيقية، أي إلى علاقة أخوية عريقة ومتجذّرة بين بلدين شقيقين: المغرب والسنغال.
فكرة القدم، في نهاية المطاف، ليست سوى لعبة، فهل من المعقول أن تتحوّل، مهما بلغت أهميتها، إلى سبب للقطيعة بين شعوبنا الإفريقية، التي هي في أمسّ الحاجة إلى تعزيز روابط الأخوّة، وتكثيف التعاون، والبحث عن سبل حقيقية لتنمية اقتصاداتها تنمية مستدامة وشاملة؟
إنّ يد ملك البلاد الشريفة ستظل ممدودة لأصحاب النوايا الحسنة، لما فيه خير بلدان المنطقة، وسيبقى الشعب المغربي شعبًا مسالمًا ومضيافًا، مهما مكر الماكرون.
ولهذه الأسباب كلّها، نتوجّه بنداء صادق إلى أصحاب الضمائر الحيّة، والعقول النيّرة، والقلوب الصافية، في السنغال وفي المغرب، من أجل العمل على تهدئة النفوس، واستعادة الثقة، وإشاعة السكينة في البيوت، حتى تتجه الجهود إلى ما هو أسمى وأهم، خدمةً لمصالح شعوب القارة الإفريقية بأسرها.
محمد مريزيقى
مؤرخ وكاتب وباحث في العلوم الإنسانية
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

