في أعقاب جولة الأمس من المشاورات في مدريد، التي تكتسي رمزية تاريخية باعتبارها المدينة التي شهدت بداية المسألة قبل نصف قرن، تثمن حركة مغرب الغد، تحت القيادة الفكرية لأعضاءها، النتائج الإيجابية والإستراتيجية لهذا اللقاء.
لقد أكدت هذه الجولة، وبقوة لا لبس فيها، الحقيقة الجيوسياسية المحورية التي عملت الدبلوماسية المغربية بقيادة ملكية حكيمة على ترسيخها لعقود، أن نموذج الحكم الذاتي الموسع، في إطار السيادة الوطنية، قد تجاوز مرحلة النقاش النظري والمناورة السياسية، ليدخل مرحلة التنزيل العملي كخيار وحيد واقعي وقابل للتطبيق على طاولة الحلول، هذا التحول النوعي هو ثمرة رؤية ثابتة ومسيرة نضالية دبلوماسية طويلة، يتحمل لواءها خبراء وقادة، الذين عايشوا محطات هذه القضية وعمق أبعادها، فالورقة المحينة التي تقدم بها الوفد المغربي في مدريد ليست مجرد مستند تفاوضي عابر، بل إنها خلاصة عقد من الإصلاحات والاستثمارات الكبرى، وهي تجسيد لـمغرب ما بعد 31 أكتوبر 2025 القوي بوحدته، الواثق بمشروعه التنموي، والفاعل بفعالية في محيطه الإقليمي، هذه الورقة تضع الصحراويين المغاربة في صلب النموذج التنموي والسياسات العمومية، مما يحول المخطط من فكرة إدارية إلى مشروع مجتمعي حي يعزز الانتماء ويضمن الحقوق ويفتح آفاق الازدهار للجميع.
القراءة الذكية للمشهد، والتي تتفق ورؤية حركة مغرب الغد، تكشف أن الأطراف الأخرى جاءت إلى اللقاء تحت ضغوط خارجية، وليس بقناعة تامة، محاولاتهم لتعقيد المسار عبر الدخول في تفصيل التفاصيل أو إعادة تغليف المبادرة المغربية تحت مسميات جديدة، هي تكتيكات متوقعة تهدف إلى تأخير الحل والبقاء في منطق اللامغامرة، استرضاء أطراف داخلية بذريعة عدم التفريط، ثم الانقضاض على مكاسب جزئية في ثنايا التفاصيل الفنية، لكن القوة الكبرى للموقف المغربي تكمن في أن واقعية وصلابة أساس المبادرة جعلتا من الصعب مواجهتها بجبهة موحدة، لقد نجحت المملكة المغربية، بحكمة مفاوضيها، في إعادة الديناميكية للمسار السياسي بعد سنوات من الجمود، فرض تصوره كمرجعية وحيدة للحوار، ثم تحويل النقاش من جدوى الحكم الذاتي إلى كيفية تنزيله بما يخدم سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.
تستخلص حركة مغرب الغد من قراءتها لمختلف التطورات المصاحبة للملف، أننا أمام نصر دبلوماسي تكتيكي مهم أعاد المبادرة للمملكة المغربية، الجولة القادمة ستكون أكثر حسما حول طبيعة التنازلات ومقايضاتها، هنا، يجب أن يظل المبدأ ثابتا، أي تنازل في الشكل أو الآليات لا يمكن أن يمس جوهر المشروع القائم على السيادة والوحدة الترابية، وخدمة مصالح الصحراويين المغاربة كأولوية قصوى، الثمن الذي نرفض دفعه هو ثمن التمزق الوطني، والمقابل الذي نطمح إليه هو إقرار المجتمع الدولي، واقعيا، بفعالية النموذج المغربي الذي ربح بجدارته معركة الحقائق على الأرض قبل معركة الكلمات على الطاولات.
حرر في باريس بتاريخ 9 فبراير 2026
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

