مع إطلالة شهر رمضان المبارك من كل سنة، تكتسي شوارع مدينة طنجة حلة من التكافل الاجتماعي المعهود في عاصمة البوغاز، لكن وبمحاذاة هذا المشهد الروحاني، تبرز ظاهرة أضحت ماركة مسجلة للمواسم الدينية، وهي الانتشار المكثف والمدروس للمتسولين الذين يحولون أبواب المخابز، الصيدليات، ومداخل المساجد إلى نقاط ارتكاز لا تخطئها العين.
المتأمل في المشهد يلاحظ ذكاء في اختيار الأمكنة، فعند أبواب المخابز، يتم استغلال لحظة شراء “الشباكية” و”الرغايف” لطلب الصدقة، وهي لحظة يكون فيها الصائم في أقصى درجات كرمه، أما أمام الصيدليات، فالخطاب يتغير ليركز على وصفات طبية قديمة أو علب دواء فارغة لاستمالة القلوب، هذا التوزيع الجغرافي ليس عشوائيا، بل يبدو كخطة محكمة تهدف للاستحواذ على أكبر قدر من “سخاء” المارين.
من الظواهر الملفتة للنظر هذا العام، لجوء البعض إلى إخفاء ملامح الوجه بشكل كامل، مستخدمين “النقاب” ليس دائما كدافع ديني، بل أحياناً كأداة للتواري عن عيون المعارف أو لتجنب الملاحقة، هذا “التخفي” يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة النشاط، هل هو هروب من “خجل الحاجة”، أم هو تكتيك احترافي يمنع التعرف على الوجوه التي تتكرر في كل موسم وفي أحياء مختلفة؟
لا يمكن لأحد أن ينكر وجود فئات تعاني فعلياً من العوز والفقر المدقع، وهؤلاء هم الأحق بالصدقة والزكاة، لكن الإشكال يكمن في “الاحترافية” التي طغت على الظاهرة، فظهور وجوه بعينها فقط في رمضان، واختفاؤها بمجرد انقضاء العيد، يكرس فكرة “تجارة المواسم”، هؤلاء “المحترفون” يزاحمون المحتاجين الحقيقيين، ويستنزفون عاطفة المجتمع بطرق تمثيلية تضع المواطن في حيرة من أمره: “هل أعطي لأبني أجراً، أم أنني أساهم في تمويل شبكة منظمة؟”.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تعني أبدا الدعوة لقطع يد العطاء، فالمغاربة جُبلوا على الكرم، ولكنها دعوة لـ “عقلنة التضامن”، فالصدقة الحقيقية هي التي تصل إلى من “يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف”، وليس لأولئك الذين يتقنون فنون الوقوف أمام كاميرات المارة وأبواب المؤسسات الحيوية.
يبقى رمضان شهر الرحمة، وتبقى طنجة مدينة الجود، لكن يبقى التمييز بين “العوز الاضطراري” و”التحايل الاختياري” مسؤولية مشتركة لضمان وصول الحق لأصحابه، والحفاظ على جمالية المدينة من مظاهر أصبحت تسيء لعمقنا الثقافي والاجتماعي.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

