
لطالما كان العمل الاجتماعي والخيري ركيزة أساسية في استراتيجيات المسؤولية الاجتماعية للشركات الكبرى، إلا أن ما أقدمت عليه شركة “أمانديس” مؤخراً بمدينتي طنجة وتطوان، من خلال نشر مقطع فيديو يوثق مبادرات إفطار جماعي، أثار زوبعة من التساؤلات المشروعة حول الحدود الفاصلة بين التضامن الإنساني والاستغلال الدعائي الفج، ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه من شركة بحجم “فيوليا” أن تحترم أدبيات التواصل مع الفئات الهشة، صُدم المتابعون بمشاهد تظهر وجوه أطفال وقاصرين وهم يتحلقون حول طاولات الإفطار، في لقطات بصرية تم توظيفها كخلفية لترويج صورة الشركة وتسويق حصيلتها الاجتماعية، وهو ما يعد سقطة تواصلية لا تليق بمؤسسة تدعي القرب من المواطن واحترام كرامته.
إن هذا “الانزلاق” الاتصالي لا يتوقف عند حدود النقد الأخلاقي المرتبط بـ “أدب الإحسان” والستر، بل يتعداه إلى مأزق قانوني وحقوقي حقيقي يضع الشركة تحت طائلة المساءلة بشأن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. فإظهار ملامح هؤلاء الأطفال دون أدنى اعتبار لخصوصيتهم أو لما قد يترتب على ذلك من “وصم اجتماعي” يرافقهم في مستقبلهم، يعد خرقاً سافراً لروح القانون 09.08، وتجاوزاً للمواثيق الدولية التي تحمي حقوق الطفل وتمنع المتاجرة بوضعيته الاجتماعية لأغراض ربحية أو تلميعية، فكيف لمؤسسة تدير مرفقاً حيوياً أن تغفل عن تقنيات بسيطة مثل “التضبيب” (Blur) لحماية هويات هؤلاء الصغار، أم أن “رأسمال الصورة” كان أهم لديها من صون كرامة المستفيدين؟
علاوة على ذلك، يطرح هذا السلوك تضارباً صارخاً مع القيم التي تتغنى بها “أمانديس” في بلاغاتها الرسمية، والتي ترتكز على “المسؤولية والتضامن”، فالمسؤولية الحقيقية تبدأ من حماية الإنسان، لا تحويله إلى “أداة” في فيديو ترويجي يُعرض على منصات التواصل الاجتماعي لجمع “الإعجابات” على حساب انكسار ملامح الأطفال، إن الرأي العام اليوم، الذي بات أكثر وعياً ويقظة، لم يعد يقبل بـ “التضامن الاستعراضي” الذي يفتقر للحس الإنساني الاحترافي، مما يفتح الباب واسعاً أمام مطالب ملحة لتدخل الجهات الوصية وهيئات حماية الطفولة لمراقبة هذه التي تشرعن “تشهير الفقر”، وتطالب الشركة بسحب المحتوى فوراً والاعتذار عن هذا التوظيف غير الموفق لصور الطفولة المغربية.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

