في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية داخل القارة الإفريقية، لم تعد الدبلوماسية مجرد طقوس بروتوكولية تدار خلف الأبواب المغلقة، بل أصبحت معركة تأثير حقيقية تخاض على أكثر من جبهة، وبأدوات متعددة، تتداخل فيها الدولة مع المجتمع، والرسمية مع المبادرة، والمؤسسات مع الكفاءات المنتشرة عبر العالم.
في هذا السياق، يبرز تحرك حركة مغرب الغد بفرنسا كإشارة سياسية لا يمكن اختزالها في بعدها الاتصالي، بل باعتبارها تعبيرا عن دينامية جديدة تتقاطع فيها الدبلوماسية الموازية مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت من العمق الإفريقي خيارا ثابتا لا يقبل التراجع أو المساومة.
الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس الحركة، الدكتور مصطفى عزيز، مع وزير الشؤون الخارجية لجمهورية مالي، لا يقرأ فقط كتحرك فردي أو مبادرة ظرفية، بل كجزء من إعادة تشكيل هادئة لأدوار الفاعلين غير الحكوميين في الدفاع عن القضايا الوطنية، وتوسيع دوائر التأثير المغربي داخل فضاء إفريقي يعيش على وقع إعادة ترتيب التحالفات والمواقف.
ويأتي هذا التحرك في سياق علاقات ثنائية بين المملكة المغربية وجمهورية مالي تتسم بتطور متدرج ومضطرد، وبحضور واضح لمنطق التقارب في الرؤى حول عدد من القضايا الاستراتيجية، وفي مقدمتها أمن واستقرار منطقة الساحل، وضرورة تغليب الحلول السياسية الواقعية للنزاعات الإقليمية في إطار الأمم المتحدة، بعيدا عن منطق الجمود أو الاستقطاب.
كما تعكس هذه الدينامية مؤشرات متزايدة على وجود أرضية مشتركة للتعاون جنوب جنوب، تقوم على البراغماتية السياسية، وتغليب منطق التنمية والاستقرار، في وقت تتسع فيه الحاجة إلى شراكات إفريقية أكثر توازنا وفعالية.
لكن الأهم في هذا التحول ليس فقط مضمون الاتصالات أو طبيعتها، بل الدلالة الأعمق لانتقال الفعل الدبلوماسي المغربي من منطق المركزية الصلبة إلى منطق الشبكة الواسعة، حيث تصبح الجالية المغربية بالخارج، والفاعلون المدنيون، والمبادرات الموازية، جزءا من منظومة تأثير واحدة، تتحرك بتناغم لخدمة القضايا الاستراتيجية للمملكة المغربية.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تكرار لأدوار تقليدية بصيغ جديدة، بل هو إعادة تعريف هادئة لمفهوم القوة الناعمة المغربية، قوة تقوم على الحضور الذكي، والامتداد المرن، والقدرة على بناء جسور الثقة خارج القوالب الرسمية الجامدة.
وفي قلب هذا المشهد، تواصل المملكة المغربية ترسيخ موقعها كفاعل إفريقي وازن، لا يكتفي بمواكبة التحولات، بل يسعى إلى التأثير في اتجاهها، مستندا إلى شرعية تاريخية، ورؤية ملكية واضحة، وشبكة متنامية من الفاعلين الذين يتحركون داخل وخارج الحدود بروح واحدة من أجل الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وتعزيز حضورها في إفريقيا على أساس الشراكة، والاحترام، والواقعية السياسية.
بقلم مولاي المهدي غرايبة
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر

