تتجه الأنظار في مدينة طنجة هذه الأيام نحو منتدى السيارات 2026، لا باعتباره قطباً اقتصادياً مرتقباً لتطوير قطاع كراء السيارات، بل بوصفه بؤرة لجدل مهني وقانوني أعاد إلى الواجهة صراع المشاريع الجاهزة وتصفية الحسابات الضيقة بين الجمعيات المهنية. فبينما تضخ آلة التنظيم أرقاماً فلكية تتحدث عن استقطاب عدد حاشد من الزوار في يوم الافتتاح، تكشف المعاينة الميدانية عن فجوة عميقة بين ما يُنشر وبين ما يحدث فعلياً داخل الأروقة؛ حيث بدا الحضور ضعيفا ولا يصل للأرقام المصرح بها، باستثناء حضور العارضين وبعض الوجوه المتكررة التي حضرت على عجل لملء الفراغ وتأثيث المشهد أمام عدسات الكاميرات، في محاولة لتسويق نجاح “افتراضي” لا يعكس بالضرورة واقع الحضور أو دينامية الفعالية.
هذا الارتباك التنظيمي ليس إلا قمة جبل الجليد في أزمة أعمق، حيث فجرت جمعية البوغاز لوكالات كراء السيارات قنبلة مدوية باتهامها الصريح للجهة المنظمة بالسطو على فكرة المعرض المهني الذي أسسته وطورته منذ سنة 2018. ورغم التفاوت الواضح في مستوى التنظيم، حيث ظل نجاح النسخ السابقة لجمعية البوغاز راسخاً في أذهان المهنيين بفضل التغطية الإعلامية الواسعة وقوة الشركاء والصدى الذي حققته عبر قنوات القطب العمومي، يرى مراقبون أن هذا الاستنساخ القسري يعكس رغبة في السطو على مجهودات الغير، مما خلق حالة من التشويش لدى العلامات التجارية الكبرى، التي وجد بعضها نفسه مضطراً للمشاركة بتمثيليات باهتة لتفادي دخول محتمل في صراعات جانبية مع لوبيات ضغط تسعى لفرض واقع تنظيمي يفتقر للشرعية التاريخية داخل القطاع.
ولم يقتصر الجدل على المعرض فحسب، بل امتد إلى كواليس الندوات المهنية، حيث أثار منشور أحد أعضاء المكتب بأن تنظيم ندوة مشتركة كان من طرف جمعية كراء السيارات ما أثار موجة من التساؤلات، في ظل معطيات تؤكد أن هذا اللقاء كان ثمرة شراكة بين عدة أطراف، ولم تكن “جمعية كراء السيارات بطنجة” سوى طرف من بينها، كما أن برمجته تمت قبل الإعلان عن المعرض المثير للجدل. ويرى متتبعون أن هذا السلوك يعكس محاولة لاختزال مجهود جماعي في جهة واحدة، مع تغييب متعمد لباقي المتدخلين، وهو ما يعيد إلى الأذهان نفس منطق “السطو” الذي تحدثت عنه جمعية البوغاز.
وفي خضم هذا الجدل، برزت مخاوف متزايدة لدى بعض المهنيين من وجود عمولات غير معلنة قد ترافق صفقات اقتناء السيارات عبر المعارض، وهو ما دفع عدداً من أصحاب وكالات كراء السيارات إلى تفضيل التوجه مباشرة نحو الوكلاء الرسميين وعقد الصفقات بشكل مباشر، تفادياً لأي وساطات قد تثير الشكوك أو تفتح الباب أمام تضارب المصالح.
وفي هذا السياق، وُجهت انتقادات لتدخل “احميدي” داخل أشغال المعرض، بعدما ركز على التشكيك في جودة العربات المستقدمة من الصين، من خلال إثارة ملاحظات حول الاعتمادية وتوفر قطع الغيار على المدى المتوسط، وهو ما اعتبره عدد من المتتبعين طرحاً لم يُبنَ على معطيات تقنية دقيقة بقدر ما اعتمد على الانطباع العام.
كما وُجهت إليه انتقادات أيضاً بخصوص تعاطيه مع موضوع الصفقات العمومية المرتبطة بقطاع النقل، خصوصاً ما يتعلق باقتناء حافلات النقل المدرسي، حيث اعتبر بعض الحاضرين أن طريقة طرحه داخل معرض خاص للموضوع توحي بإمكانية النقاش خارج المساطر القانونية والمؤسساتية المعتمدة، رغم أن هذه الصفقات تخضع لقوانين واضحة وإجراءات شفافة. ويرى منتقدوه أن هذا الأسلوب قد يفتح الباب أمام تأويلات غير دقيقة حول آليات التدبير العمومي.
ويرى منتقدوه كذلك أن هذا التدخل ساهم في رفع منسوب الجدل داخل المنتدى بدل تهدئته، حيث انشغل جزء من النقاش بهذه الملاحظات على حساب القضايا التنموية والاستثمارية التي كان يُنتظر أن تطبع أشغال اللقاء.
وعلى النقيض من هذا التخبط، تبرز ملامح الجدية في تدبير الشأن المحلي من خلال الإشراف المباشر لوالي جهة طنجة تطوان الحسيمة على إطلاق الأسطول الجديد لحافلات النقل الحضري المستقدمة من الصين، التي أصبحت رائدة في مجال السيارات والحافلات، وهي خطوة لقيت استحساناً واسعاً لدى الساكنة وأسهمت في تحسين صورة المدينة، خاصة في سياق الاستعدادات للتظاهرات الكبرى. غير أن هذا النفس التنموي لم يسلم من التشويش داخل المعرض، حيث اختار احميدي التشكيك في وفرة قطع غيار السيارات الصينية علما أنها أكثر استدامة وأقل تعطلا.
ويعكس هذا السلوك هوة واضحة بين تيار يراهن على البناء الفعلي لطنجة الكبرى، وآخر يوظف المنصات العامة لتصفية الحسابات وترويج مواقف تخدم مصالح ضيقة، خصوصاً في ظل متابعة بعض الأسماء في ملفات قضائية، من بينها أحكام ابتدائية مرتبطة بتبديد المال العام في انتظار الحسم النهائي.
وفي سياق متصل، لم يكن الحضور السياسي للبرلماني الحسين بن الطيب سوى تكريس لحالة التخبط، إذ حضر دون تحديد واضح لصفته، في وقت يرى فيه متتبعو الشأن المحلي أن هذه التحركات لا تعدو كونها محاولة لإعادة إحياء حضور سياسي باهت بعد غياب طويل عن التفاعل مع قضايا المدينة، وكأن المعرض تحول إلى فضاء للدعاية المبكرة مع اقتراب الاستحقاقات القادمة، رافقه حضور آخر للغرابي الذي كظهر ك “جوكر” دائم يسد ثغرات غياب الشخصيات المحورية، في مشهد يكرس سياسة “ملء المقاعد” .
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

