تحول افتتاح ملعب مرتيل، أمس الثلاثاء، إلى مسرح لموقف عبثي بطله المواطن المغرب “صابر الشوني” وهو الذي لا يمتلك أدنى مقومات التأطير والتنظيم ولا حتى التكوين البسيط، ضمن مشهد كان يُفترض أن يكون احتفاليا.
وهذا “الوجه المؤثر” الذي لم يُكلف نفسه عناء الحصول على شهادة الباكالوريا، تحول بقدرة قادر من “فلوغر” هاوٍ إلى مُنظّم رسمي لحدث رياضي وطني، وذلك بقوة الدفع والظهر الذي يوفره له فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم والمهدي بنسعيد وزير الثقافة في حكومة عزيز أخنوش، دون أي اعتبار لمعايير الكفاءة والمسؤولية.
وفي هذا السياق، المهزلة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تحوّلت إلى لحظة استعراض، عندما تلقف الشاوني المايكروفون، وبصوت مرتفع وركيك، ليقول أمام الحاضرين: «والباشا خصّنا الما»، موجها كلامه نحو ممثل السلطة، الذي لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بتوفير الماء للملعب.
وهذا السلوك الذي اعتبره العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي “طائشا” ليس تعبيرا عن “جرأة” كما روجت لذلك بعض الصفحات، بل هو جهل فاضح بأبجديات التراتبية ومسؤوليات الإدارة الترابية، ومحاولة بئيسة لخلق “Buzz” على حساب هيبة الدولة ورموزها، وجهل كبير باختصاصات الباشا.
والخرجة “العفوية” التي أحرجت المنظمين لم تكن مجرد هفوة، بل كشفت – مرة أخرى – عن اختلالات عميقة في اختيارات الجهات الرسمية عند التعامل مع “الواجهة الرقمية”، فصابر الشاوني، الذي ارتبط اسمه بمشاريع حكومية ورعاية مباشرة من جهات نافذة كوزارة الشباب والثقافة و”جامعة لقجع”، ليس مجرد يوتيوبر عابر، بل صار جزءا من سياسة تعتمد على “اللايف” بدل الكفاءة، و”المؤثر” بدل الإعلامي، والتفاعل الرقمي بدل المضمون المهني.
والأدهى من كل ذلك أن الصحفيين المهنيين، الذين يُفترض أن يكونوا في قلب الحدث لتوثيقه ونقله للرأي العام، جرى إقصاؤهم بشكل ممنهج ومتعمد، في ما يشبه إعلان حرب على الإعلام الجاد، مقابل فتح الأبواب على مصراعيها أمام “مؤثرين” ومشبوهين لا علاقة لهم بالمهنة، بهدف جعل التاريخ يُسجل بفتات الستوريهات والانستغراميات، بدل التوثيق المسؤول.
ويكشف سلوك صابر الشاوني، خلال افتتاح ملعب مرتيل، عن جهل كبير بأبجديات الدولة واختصاصات ممثليها الترابيين، إذ بدا واضحا أنه لا يدرك أن الباشا في المغرب ليس “تقني ماء وكهرباء”، بل ممثل للسلطة المركزية في المجال الحضري، ويمارس صلاحيات حساسة تتعلق بالأمن والنظام العام وتنفيذ القوانين وتنسيق عمل الإدارات العمومية.
فتوجيه مطلب توفير الماء إلى الباشا، في مقام رسمي وبصيغة استعراضية، لا يُعبّر عن جرأة كما يحاول بعضهم ترويج الأمر، بل يعكس فراغا معرفيا مريعا لدى شخص وجد نفسه – بلا رصيد أكاديمي أو إداري – في قلب حدث مؤسسي يتجاوز بكثير قدراته ومداركه، فحوّل اللحظة من محطة بروتوكولية إلى فاصل من العبث والسطحية.
من هو صابر الشاوني ؟
شاب بدأ مساره في “السوشيال ميديا” بمحتوى بسيط، قبل أن يتحول تدريجيا إلى واجهة لبعض المبادرات الرسمية، ويُقدَّم كصوت “الشباب المغربي الجديد”، رغم افتقاده – حسب منتقدين – لأبسط أدوات الفهم المؤسساتي والخطاب العام.
“فتى لقجع المدلل، وفتى بنسعيد المُفضّل” – هكذا يصفه كثيرون ممن شاهدوا كيف يجد طريقه بسلاسة إلى كواليس الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى، بينما يتم تهميش عشرات الصحفيين، والمختصين، والفاعلين الحقيقيين في الميدان.
وواقعة مرتيل ليست الأولى، بل هي امتداد لموجة ترويجية تتصدرها فئة من “المؤثرين” الذين يُمنحون مساحة لا يستحقونها على حساب مهنية الإعلام، وعمق التحليل، وخبرة المتخصصين، فقد سبق لحملات ممولة – منها حملة حول الماء في إفريقيا – أن ظهرت باسم الشاوني، دون أن تكون له، كما يقول مراقبون، أي دراية حقيقية بتركيبة التدبير الترابي، أو بسلطات الباشا، أو بجهات المسؤولية التقنية.
وما زاد الطين بلة هو شعور بعض المتتبعين بأن مثل هذه الخرجات لا تُحاسَب، فالمؤثر المدلل محمي برضا بعض المسؤولين، بل ومُستقطب في مناسبات يُقصى منها الصحفي والمحلل والخبير.
لقد رأينا الأمر يتكرر في فعالية عرض مجسم كأس العالم، حين تم تهميش الصحافة الوطنية لفائدة “أصحاب روتيني اليومي”، كما وصفهم إعلاميون ساخطون، وفتح الباب على مصراعيه أمام “انستغراميين” بلا تجربة إعلامية أو ثقافية، فقط لأنهم يملكون جمهورًا افتراضيًا.
وهنا المشكل لا يتعلق بالشاوني وحده، بل بسياسة مؤسساتية تُفضّل “الفرجة” على “الفهم”، و”الصورة” على “المضمون”، و”الفولوورز” على “الخبرة”، والنتيجة: صورة مشوشة عن البلد، مناسبات تُفقد رمزيتها، ومؤسسات تضع مستقبلها في يد من لا يملك سوى كاميرا وتطبيق تيك توك.
وترى العديد من الأصوات التي تنتفض بمواقع التواصل الاجتماعي أن صابر الشاوني ليس سوى عرض من أعراض أزمة أكبر؛ أزمة ثقة في الكفاءات الحقيقية، أزمة تواصل رسمي لا يعرف كيف يُخاطب مجتمعه، وأزمة انتصار لثقافة “اللايك” بدل منطق الدولة.
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر


