تعرّض جزء من الجمهور الجزائري لانتقادات واسعة بعد احتجاجه على حكم المباراة أمام المنتخب النيجيري، في ربع النهائي، حيث لجأ بعض المشجعين إلى رفع الأوراق النقدية والتلويح بها، مردّدين عبارات من قبيل: “المال موجود لدينا أيضًا”، في إشارة إلى اتهام الحكم بالانحياز أو “شراء القرار”.
هذا السلوك، وإن بدا للبعض مجرّد ردّة فعل عاطفية، إلا أنه يخفي خلفه دلالات أعمق من مجرد غضب رياضي. فالتلويح بالمال لم يكن موجّهًا للحكم فقط، بل كان – بشكل غير واعٍ – تعبيرًا عن عقدة كامنة، وعن رغبة في إثبات الذات بلغة لم تعد مؤثرة في عالم كرة القدم ولا في العلاقات الدولية.
الجزائر دولة غنيّة فعليًا من حيث الموارد الطبيعية، وتتوفر على واحد من أكبر احتياطات الغاز الطبيعي في إفريقيا، إضافة إلى مخزون نفطي معتبر، هذا المعطى يعرفه الجزائريون قبل غيرهم، لكن المفارقة الصادمة أن هذا الغنى لا ينعكس بوضوح على حياة المواطن اليومية، ولا على صورة الدولة في محيطها الإقليمي والدولي.
وهنا يتولّد التناقض:
دولة تملك المال، لكن حضورها الدبلوماسي ضعيف.
ثروات طبيعية هائلة، مقابل علاقات إفريقية وعالمية محدودة التأثير.
إمكانات كبيرة، دون ترجمة فعلية في النفوذ أو القبول الدولي.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة رفع المال في المدرجات لا كدليل قوة، بل كإحساس بالنقص، وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: “قد لا نملك التأثير… لكن نملك المال”. غير أن التجربة أثبتت أن المال وحده لا يشتري الشرعية، ولا الاحترام، ولا حتى القرارات التحكيمية في كرة القدم الحديثة.
ففي زمن المؤسسات، والحوكمة الرياضية، والعلاقات الدولية المبنية على الثقة والتراكم، يصبح المال لغة بدائية، بل أحيانًا علامة ضعف لا قوة. ولهذا، كلما تم التلويح به في غير موضعه، عاد أصحابه بخيبة أكبر، لأن العالم لم يعد يُدار بالأوراق النقدية، بل بالمشاريع، والمصداقية، وبناء العلاقات طويلة الأمد.
كرة القدم، في النهاية، مرآة للمجتمع. وما يحدث في المدرجات غالبًا ما يعكس ما هو أعمق خارجها. وربما كان احتجاج الجمهور الجزائري لحظة صادقة كشفت ما لا يُقال عادة: شعور بالعزلة، ورغبة في الاعتراف، وحنين إلى مكانة يشعر البعض أنها ضاعت.
وحده العمل الحقيقي، داخل الملعب وخارجه، كفيل بتغيير الصورة… أما المال، فسيبقى مجرد ورقة، مهما ارتفع عالياً.
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

