الجمعية المتوسطية للإعلام الرقمي تدرك بعمق أن قوة المدن في العصر الحديث لم تعد تُقاس بمساحتها الجغرافية أو بأسوارها التاريخية، بل برصيدها الرمزي وقدرتها على اختراق الإدراك العالمي عبر ما يُعرف بالقوة الناعمة. وفي هذا السياق الدقيق، يُقرأ تتويج مدينة تطوان بلقب “عاصمة متوسطية للثقافة والحوار”، ليس كمنحة شرفية توضع في رفوف التاريخ، بل كفرصة جيواستراتيجية تتطلب تدخلاً ذكياً لإعادة تموقع المدينة في الخريطة الدولية، واستيعاباً لهذا التحول العميق، هندست الجمعية ورشة تفكير رفيعة المستوى تحولت إلى مختبر فكري حقيقي، جمع على طاولة واحدة نخبة من الخبراء الدوليين والأكاديميين وصناع القرار، لتشريح إشكالية بالغة التعقيد تتمثل في كيفية تحويل الإعلام الرقمي إلى أداة للدبلوماسية الثقافية تعبر بتطوان من المحلية إلى العالمية.
لقد كشفت النقاشات التي أطرت هذا اللقاء عن ضرورة إحداث قطيعة مع المقاربة الكلاسيكية في التسويق الترابي، حيث ظل الإعلام طويلاً حبيس منطق العرض الفولكلوري لتاريخ المدينة، وهو منطق يثير الإعجاب اللحظي لكنه لا يبني صورة دولية مستدامة، ليتبلور البديل من خلال المداخلات الأكاديمية والمهنية في تبني استراتيجية “هندسة التأثير”، فمدينة تطوان بما تملكه من تجاور عمراني فريد وتعددية أصيلة تمثل نموذجاً حياً للتعايش المتوسطي، مما يجعل دور الخطاب متمثلاً في استلال هذه القيم وتحويلها إلى رسالة حداثية تتقاطع مع القضايا الإنسانية العالمية. ولأن هذا الخطاب القوي يفقد جدواه إذا لم يمتلك أجنحة للتحليق، شكل التحول الرقمي حجر الزاوية في هذا الطرح، خاصة في عالم لا تحكمه الجغرافيا بل الخوارزميات، مما يحتم توظيف الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية المتقدمة لكسر حواجز اللغة والحدود، وتوجيه المحتوى الثقافي بدقة متناهية ليخاطب الجمهور الدولي. غير أن هذه الماكينة الرقمية، مهما بلغت درجة تطورها، تظل جسداً بارداً إن لم تتغذَّ بمحتوى حي ومستدام، وهنا يتجلى الدور الاستراتيجي والعميق للجمعية المتوسطية للإعلام الرقمي بوصفها القلب النابض الذي يضخ المادة الخام في شرايين الإعلام؛ فهي لا تكتفي بوضع الأطر النظرية، بل تستخلص رحيق التراث، ودينامية المجتمع المدني، والروح المتوسطية للمدينة، لتدفع بها في الأوردة الرقمية كدماء جديدة تغذي الخوارزميات وتمنح السردية الترابية حيويتها وقدرتها على الإقناع.
هذه المنظومة المتكاملة التي تؤسس لها الجمعية عبر بناء جسور من الثقة المؤسساتية واستقطاب الكفاءات المهنية، تثبت أن الدبلوماسية الثقافية الناجحة لا تنمو في الفراغ، بل تتطلب حاضنة فكرية تحول الرصيد التاريخي إلى نفوذ دولي، وتعلن بوضوح أن تطوان مستعدة تماماً للانتقال من مرحلة تلقي الألقاب إلى استثمارها بذكاء، جاعلة من التكنولوجيا وتدفق المادة الثقافية الحية قنطرة ذهبية نحو أفق عالمي أرحب.
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

